محمد عزة دروزة

159

التفسير الحديث

السحرة وباستجابة الجن لهم حينما كانوا يستعيذون بهم في الوديان أثناء الليل . وبأن استمتاع الجن بالإنس هو ما كان من تعظيم العرب لشأن الجن والعياذ بهم والتعبد لهم . وهذا التأويل وجيه متسق مع ما أشارت إليه بعض الآيات القرآنية صراحة وضمنا مثل آيات الشعراء [ 221 - 223 ] وآية الجن [ 6 ] وآية الأنعام [ 100 ] وقد مرّ تفسير ذلك بحيث يصح أن يقال إن في هذه الإشارة توكيدا جديدا للصور التي كانت في أذهان العرب عن الجن والتي شرحناها في سياق تفسير سورتي الناس والجن . ومن المؤولين والمفسرين على ما جاء في كتبهم من قال إن في الآية [ 130 ] دليلا على أن اللَّه يرسل رسلا إلى الجن كما يرسل إلى الإنس . ودعم قائلوا ذلك ببعض الآيات العامة مثل آية فاطر [ 24 ] التي مر تفسيرها : وإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ‹ 24 › ومثل آية النحل هذه : ولَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّه واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّه ومِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْه الضَّلالَةُ [ 36 ] ومنهم من قال إن جميع رسل اللَّه وأنبيائه من الإنس وأن اللَّه أرسلهم للإنس والجن معا ، وإن كلمة ( منكم ) في الآية يصح أن تكون للإنس وحدهم وإنه ليس في آيات القرآن صراحة بأن اللَّه أرسل من الجن رسلا . ودعم هؤلاء قولهم بآيات سورة الجن [ 1 و 2 و 13 و 14 ] وآيات سورة الأحقاف [ 29 - 31 ] التي يخبر اللَّه فيها النبي صلى اللَّه عليه وسلم بأن طوائف من الجن استمعوا للقرآن وآمنوا وأنذروا قومهم ودعوهم إلى الإيمان بالنبي والقرآن . حيث ينطوي في الآيات أن الجن اعتبروا أن رسالة النبي صلى اللَّه عليه وسلم والقرآن موجهان إليهم . ويتبادر لنا أن هذه النصوص لا تحتوي صراحة قطعية تثبت أو تنفي الرسل إلى الجن من الجن ولم نطلع على حديث نبوي صحيح في ذلك . وأن الأولى الوقوف في هذه المسألة عندما اقتضته حكمة التنزيل الإيحاء به وتفويض حقيقة الأمر وتأويله إلى اللَّه تعالى . مع ملاحظة أن هدف الآيات الجوهري المتبادر منها هو التنديد بالكفار وإلزامهم وإنذارهم وحملهم على الارعواء والندم واللَّه تعالى أعلم .